banner
Find more about Weather in Cairo, EG
 
 
أحدث الأخبار
عادل عيد الخبير المصرفى فى حوار لـ"الثورة": مبادرة مشروعك "أمل الحكومة للقضاء على البطالة"
"محمد باغه" يطالب بتكريم أوائل الثانوية نظير جهودهم تجاه الوطن
"محمد باغه" يطالب بتكريم اوائل الثانوية نظير جهودهم تجاه الوطن
"صيدلة المنصورة" تنظم الملتقى العلمى الـ 17 تحت شعار "ومضة"
 
فيديو اليوم
 
صور اليوم
 
إستفتاء
 
 
 
 


أشرف الجمّال يكتب: مواويل مسروقة.. بين جنة السر وجحيم البوح

الثورة

الثلاثاء 12 يونيو 2018 09:34:00 PM


أشرف الجمّال يكتب: مواويل مسروقة.. بين جنة السر وجحيم البوح
المجموعة القصصية التي كتبها القاص أحمد الطويلة

"مواويل مسروقة " ذلك هو عنوان المجموعة القصصية التي كتبها القاص أحمد الطويلة والصادرة عن دار (بتانة) وهي تتضمن أكثر من خمس وخمسين قصة .. منها " رباب – مخلاة خضراء – أرانب عطية – فاطمة بنت النبي – شجرة الخلد – طيف يشبهه – المخبول – أحمر ومكبب – وجه القمر".
العنوان في قالب التقنية الأدبية يمثل أيقونة النص الأدبي ويعد علامة سيميائية كاشفة للمضمون  تشير إليه ولا تفصح بتفاصيله .. تختزن طاقته وسيرورته وتترك للقاريء حرية التقصي واجتياز مجاهل النص لاقتناص الدلالة .. كقاريء لتلك المجموعة تساءلت : لماذا اختار أحمد الطويلة هذا العنوان لمجموعته القصصية .. عن أي مواويل يحكي .. ومن أي الأماكن سرق مواويله ؟
نعم هي مواوويل مسروقة يقدمها لنا أحمد الطويلة في صور قصصية تتضافر وتتقاطع لتشكل الرؤية الفنية وطبيعة تصورات الذات الكاتبة للعالم والناس والزمان والمكان .. مواويل مسروقة من الأرض والذكرى من الدروب الوعرة للذكريات .. من بين أعواد السنابل في الحقول وأحراش القرى وبخور الحضرات .. من رائحة الحكايا لعجائز القرية وأوراد الشيوخ ودموع السالكين ومناجاة العشاق .. من بطون المخطوطات وأغاني القرويين وسير المداحين .. لقد راهن الطويلة  -ككاتب يتمثل عدة ثقافات متنوعة الروافد - على الإنسان باعتباره حاضنا للزمن والمكان معا .. للتاريخ ماضيا وحاضرا ومستقبلا .. باعتباره الناسوت الذي هو تجلي لاهوت الوقت الفاعل فينا بسطوة الحضور والميلاد وحتمية الموت والفقد .. الإنسان هو الكاتب والكتاب والمكتوب .. 
هذه خلاصة الروح السارية في نصوص المجموعة .. عبر فكرة تبادل الأدوار والتناسخ لإبراز المجرد في الملموس .. فتارة تجد الإنسان حلما وتارة عشقا وتارة فقدا .. ومرة ألما وأخرى مسرة وثالثة إيمانا ورابعة شكا وحيرة وسؤالا .. ويبدو أن الذات الكاتبة رغم غيابها كمحور للحكي لم تجد بدا عن تسريب كينونتها داخل شخوص المجموعة .. التي هي انعكاس للكاتب ذاته .. الطويلة الذي هو مزيج من الثقافة الأزهرية الأصولية والتصوف الرحب متجاوز الرؤى المعلبة والجاهزة .. المتمرد في تخطيه للبنى الجامدة لمفردات العالم .. طويلة الكاتب الذي يتقمص معجميته ويلتبس بها حتى كأنه ينحت لغته من روحه ودمه ووجعه وحنينه .. وطويلة المطرب الذي يعي قيمة المقام واللحن والإيقاع ..
إن العمل القصصي في مجمله يخضع لأدوات التقنية الأدبية التي تشكله .. وأول هذه الأدوات : الرؤية ؛ فالكاتب ينطلق من رؤية للعالم يغلب عليها الطابع الصوفي منطلقا من فهم قيمة الحب التي هي أصل الوجود وسبب الخلق ( كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف) .. هذا الحب الذي يتجلى مفصحا عن ماهيته في علاقات مشتبكة .. الحب بين الرجل والمرأة .. بين الإنسان والمكان ... بين الفرد والمجموع .. بين الفرد كمواضعة وجودية متزمنة في تشيؤها وبين التراث الممتد والطويل لذاكرة الروح .. يشكل الحب عالم الطويلة من مبتداه إلى منتهاه .. يسرّب روحه ويفيض بها على كل مَن وما حوله .. إذ تفترض قناعة الكاتب أن الله سر وغيهب لا يمكن شهوده إلا في الممكنات والأعيان .. وأن هذا السر يسري في كل المخلوقات .. لهذا تشعر كقاريء أن الذات الكاتبة لديها علاقة حميمة وشديدة الرهافة بالمكان وبالمخلوقات طيورا كانت أم حيوانات أم نباتات أم بشرا ‘ عليهم من لمسة الله ما يستثير حنين الكاتب وحنانه .. وشعوره بالألم والفقد عند حضور الموت أو التغير الذي يسلب الأشياء حقائقها وينزع أصالتها .. وتنعكس تلك الرؤية على اللغة التي تبدو في المجموعة كترانيم موغلة الشجن أو أوراد صوفية ملغومة بالوجد يتنازعها القبض والبسط  .. الحضور والفناء .. لغة تتجاوز نمطية دلالتها .. تحدث شروخا في جسد المعنى الكلاسي بجموده وجفافه وواقعيته وصولا إلى المحتمل والجائز والرمزي الذي يفتح باب التأويل .. وهي لغة شديدة الرصانة مضفورة بين الحداثة والتراثية فهي تستمد من الموروث قرآنا وشعرا وغناء لرغبة الذات الكاتبة اللاواعية في التواصل مع الذكرى .. الذكرى بتجلياتها .. كماضٍ ثقافي وقومي ينتمي إليه بات مشوها وقد أهيل عليه تراب النسيان ووئدت أصالته في مواجهة التغيير الذي التهم بلا رحمة وجه الزمان والمكان والشخوص والتفاصيل الحميمة التي تربطنا بمعاهد الصبا ومراتع الطفولة .. تخطفنا من حجور الأجداد والجدات وحكاياتهم الرءوم وتلقي بنا إلى المدن والبلاد التي تفغر أفواهها لابتلاع ضحاياها .. حيث التشابه المر والتماهي الذي يقتل الفردانية لصالح المجموع فتغيب التفاصيل ويكون التكاثر عوضا عن الحب .. والمال عوضا عن الإيمان بالذات وتحققها بإنسانيتها كمعيار لتقييم النجاح والفشل  .. كأنما الكاتب يبكي زمنا جميلة في وجوه شخوصه وملامحهم وشيخوخة الآباء وموت الأجداد .. يودع حبيبة في باطن هويته مستترة ومصونة قد خسرها كفارس جريح لم يمكنه أن يزود عنها في هزائم أبطال قصصه وشعورهم بالضآلة أمام الموت وطوفان الزمن الذي يلتهم كل شيء ولا يبقى فينا سوى رسوم نبكي على أطلالها أحبتنا.
ولا يغيب عن الكاتب أهمية حضور الزمن باعتباره مسافة روحية تتجلى حقائق الوجود عبر مراياها .. والزمن عند الطويلة مراوغ ومخادع .. له ظاهر وباطن.. يحتاج لذائقة يقظة لتقبض عليه .. فهناك زمن واقعي وحقيقي يجسد حركة الشخوص داخل الإطار القصصي .. وهناك زمن نفسي يتجاوز حقيقة الوقت يمتزج فيها الحاضر بالماضي والمستقبل .. كأنما الذات الكاتبة تستدعي ذاكرة وعيها من حقب بعيدة عاشتها الروح قبل أن تهبط من جنة التجريد إلى صلصال الجسد .. ثم يأتي زمن القص المتداخل بين نصوص المجموعة ككل بحيث يبدو خلاله أن كل قصة هي رهان زمني مستقل يشكل حلقة متصلة بزمن القصص الأخرى بحيث يمكنك أن تستشعر أن كل قصص المجموعة إنما هي حواديت تمثل طفولة الكاتب وصباه وشبابه صانعة في النهاية عمرا بأكمله .. إنها تقنية روائية تفجر نفسها باحتراف عن طريق التشظي في قالب القصة القصيرة.
إن النكهة الصوفية تطبع وعي الذات الكاتبة با 


التنقل بين الصفحات :